تراجع الانتهاكات بحق الإعلاميين السوريين: ظاهرة مفرحة..أسبابها مقلقة

المدن
للمرة الأولى منذ سنوات، يغيب التقرير الشهري الذي تصدره “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بشأن الانتهاكات الإعلامية المرتكبة في سوريا، والذي ترصد من خلاله الشبكة، أجواء حرية التعبير في البلاد عموماً.

ورغم أن الأشهر الأخيرة شهدت تضاؤلاً متتالياً في الانتهاكات لأسباب ذكرتها الشبكة مراراً، مثل خلو سوريا تدريجياً من الإعلاميين المعارضين، والناشطين بسبب القمع المتراكم من أطراف النزاع، وتحديداً النظام السوري، بالإضافة إلى تقلص مساحة الحرب في البلاد، إلا أن غياب التقرير قد يعطي إيحاء خاطئاً بأن هنالك تحسناً في مناخ الحريات في البلاد.

وفي حديث مع “المدن”، قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن الشبكة كانت تصدر 8 تقارير شهرية، ترصد وتوثق الانتهاكات من الشهر السابقق على موعد إصدار التقرير، ضمن قطاعات مختلفة، ومن بينها الانتهاكات بحق القطاع الإعلامي، حيث كان حجم الانتهاكات المرتكبة عموماً كبيراً وكافياً لإصدار تقارير متعددة، لكن انخفاض حجم الانتهاكات جعل الشبكة تغير استراتيجيتها، منذ مطلع العام، حيث بدأت تصدر 3 تقارير شهرية فقط.

وأوضح عبد الغني، أن التقرير الأول يرصد حصيلة الضحايا في البلاد، والثاني لحصيلة المعتقلين، أما التقرير الثالث فيرصد ما تبقى من انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا ومن ضمنها الإعلاميون والأسلحة غير المشروعة والمراكز الحيوية. علماً أن التقرير الخاص بشهر شباط/فبراير الجاري، ذكر أن سوريا لم تشهد أي حوادث قتل بحق الإعلاميين خلال شهر كانون الثاني/يناير الماضي.

إلى ذلك، أشار عبد الغني إلى وجود أسباب متنوعة لتراجع الانتهاكات في القطاع الإعلامي، من أبرزها تقلص مساحة المناطق التي يقصفها النظام مع حليفته روسيا، نتيجة سيطرة النظام وحلفائه والميليشيات الإيرانية على مناطق واسعة كان الإعلاميون ينشطون فيها، وبالتالي لم يعد هناك نشاط إعلامي. فعلى سبيل المثال، كان الناشطون والصحافيون، يصورون حالات قصف المشافي في المناطق المعارضة، واعتمد الروس في المقابل سياسة القصف المزدوج لاستهداف الإعلاميين مباشرة. وعندما تراجعت وتيرة القصف من طرف النظام، تراجعت معها التغطية الإعلامية وبالتالي الانتهاكات.

وأوضح عبد الغني أن النظام بات يسيطر على مناطق واسعة مؤخراً شملت الغوطة الشرقية، الجنوب السوري، وريف حمص الشمالي، بينما تخضع إدلب للاتفاق التركي الروسي وبالتالي لا قصف فيها، ما أدى إلى انخفاض عمليات قتل الصحافيين. لكن من جانب آخر، ثمة انتهاكات أخرى بحق الإعلاميين، فمازال هنالك 418 إعلامياً على الأقل في عداد المختفين قسرياً، بحسب بيانات الشبكة السابقة. كما يتعرض الإعلاميون لانتهاكات متنوعة من طرف التنظيمات المتشددة في إدلب مثل “هيئة تحرير الشام” وغيرها.

ضمن هذا الجو، تروج وسائل إعلام النظام وصفحات موالية له عفي مواقع التواصل، حسبما رصدت “المدن” منذ مطلع الأسبوع، فكرة حالة من الاستقرار في البلاد، وتحسن في الحريات العامة ومن ضمنها حرية التعبير. ويؤكد عبد الغني هنا أن لا وجود لحالة من الاستقرار في البلاد، بل هي حالة من السطوة الأمنية المطلقة في مناطق سيطرة النظام، ويؤكد ذلك عدم وجود أي انتقادات لسياسات النظام، من طرف وسائل الإعلام الموالية.

ومع غياب الإعلام المستقل في مناطق النظام، يمكن ملاحظة التعتيم الإعلامي الممارس، وقد برز ذلك خلال أزمة الغاز الأخيرة، وكيفية تعاطي وسائل الإعلام السورية معها، إضافة إلى عدم توجيه أي انتقاد لمجلس الشعب على خلفية السرعة في إقرار 70 مادة ضمن قانون الأحوال الشخصية مؤخراً، وصولاً إلى عدم تسليط الضوء إعلامياً على تعرض النظام لعقوبات دولية. وكل هذه النماذج، بحسب عبد الغني، تؤكد أن حالة الاستقرار غير موجودة، وتشير في الواقع إلى سلطوية مطلقة يتم من خلالها تكميم أفواه الناس.

في السياق، لا يختلف الحال كثيراً في المناطق التي مازالت خارجة عن سيطرة النظام. فإدلب، التي تخضع لـ”هيئة تحرير الشام” وتنظيمات أكثر اعتدالاً مثل “فيلق الشام”، مازالت تشهد نشاطاً إعلامياً متفاوتاً، وكذلك مناطق سيطرة قوات سوريا الديموقراطية، لكن أي انتقاد لـ”قوات سوريا الديموقراطية” مرفوض من طرفها.

… https://www.almodon.com/media/