بيان المجتمع المدني السوري”: اللغط ما زال قائماً

المدن
عُقِدَ في العاصمة البلجيكية بروكسل بين 24 و25 نيسان/إبريل، مؤتمر “دعم مستقبل سوريا والمنطقة”، بقيادة الاتحاد الأوروبي ومشاركة الأمم المتحدة. وعلى هامش المؤتمر، عقد فريق المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان ديمستورا، لقاءً مع عدد من ممثلي منظمات المجتمع المدني السوريّة، خرج عنه بيانٌ إشكالي. وفي حين هاجم بعض نشطاء وممثلي منظمات غير حكومية سورية، البيان، لجهة عدم تضمنّه إشارة إلى مسؤولية النظام عن الأوضاع، قالت منظمات أخرى بأنها لم تعرف مضمون البيان مسبقاً.

والمؤتمر هو النسخة الثانية من مؤتمر للمانحين والمنظمات الدولية العاملة في سوريا، وقد ركَّزَ على ضرورة تأمين الدعم للنازحين واللاجئين السوريين، الذين قُدِّرَت أعدادهم حسب التصريحات الرسمية في المؤتمر بنحو 6.1 مليون نازح داخل سوريا، وأكثر من خمسة ملايين لاجئ خارجها.

وما زال اللغط قائماً، إذ صدرت مجموعة من بيانات الإدانة، وبيانات التوضيح، من قبل ممثلي منظمات غير حكومية سورية، كان آخرها، الإثنين، بعنوان “توضيح حول مشاركة منظمات مدنية سورية في مؤتمر بروكسل للمانحين”، ووقع عليه كل من: أسامة الشربجي، وأسعد العشي، وبهجت الحجار، وجمانة محمد خير، وعزام خانجي، وعلاء الزيات، وعلي الزير، وعلي المفعلاني، وفاروق حجي مصطفى، وفؤاد أبو حطب، وماجد داوي، ومازن درويش، ومريم شمدين، وهوزان إبراهيم.

وجاء في البيان التوضيحي: “بداية لا بُدّ لنا من الاعتذار عن الطريقة التي ظهرت فيها الرسالة، وكأنّها موجّهة من (المجتمع المدني السوري)، وهذا خطأ غير مقصود نتحمل مسؤوليّته بشكلٍ كامل.. ونؤكّد أنّ هذا الخطأ لا يوجد له ايّ أثر سياسيٍّ او قانونيّ، نتيجة لأنّ:

الدعوة لحضور الفعاليّة تمّت من قبل الاتحاد الآوروبي، وبمشاورة مكتب المبعوث الأُمّمي إلى الأفراد والمنظمات بصفتهم الشخصية، دون ايّ صفة تمثيليّة، وهذا واضحٌ بشكل تام في نص الدعوة.

قبل قراءة الرسالة في الاجتماع الرسمي تمّ التنويه من خلال التقديم أنّ هذه الرسالة هي من ممثلي الأفراد والمنظمات ال 36 المُجتَمِعة في بروكسل على هامش المؤتمر، وهذا مُثبت في فيديو افتتاح الجلسة.

ورقة الرسالة الرسمية المُعتمدة تنصّ مُقدِمتها بشكلٍ واضح أنّ هذه الرسالة هي نتيجة لتوافق المُمثلين ال 36 المجتمعين في بروكسل على خلفيّة (مؤتمر المانحين).

تمّ ارسال رسالة الكترونية من قبل مكتب المبعوث الدولي بعد الاجتماع فيها تأكيد واضح على أنّ الرسالة تعبّر عن توافق ممثلي الافراد والمنظمات الـ36 المدعوة فقط، وليس المجتمع المدني السوري.

تركيبة المنظمات المدعوّة، وبعض المدعوين كأفراد، تحمل الكثير من التنوّع والاختلاف والحساسيات، فمنها منظمات تعمل داخل سورية في مناطق سيطرة المعارضة، وكذلك منظمات عاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وأخرى تعمل في مناطق سيطرة قسد، بالإضافة إلى منظمات عاملة في دول الجوار، الامر الذي يجعل الخروج بورقة توافقيّة ليس بالأمر اليسير.

ولقد كان خيار رفض التوافق والانسحاب وارداً، وتمّت مناقشته من قبل مجموعة من المنظمات، لكن عدم امكانيّة تحشيد عدد كبير من المنظمات خلف هذا الخيار كان سينتج عنه مُجرّد حالة استعراضيّة ربما تحصد الكثير من القبول والرضى على وسائل التواصل الاجتماعي، إلاّ أنّها كانت ستخلّف آثاراً سيئة، ليس أقلّها تحويل منبر المؤتمر الذي يضمّ (85) دولة الى رسالة دعم لمطالب النظام وشركائه، وتثبيت ادعاءاته بشكلٍ تام وكُلّيّ، عبر ترك المجال لصوت واحد.

وعليه كان قرارنا الواعي ان نخوض في مفاوضات طويلة، وشاقة، لتخفيف خسائر الانسحاب قدر الامكان، دون التفريط بأيٍّ من حقوق السوريين جميعاً.

لغة الرسالة لغة حقوقية- ديبلوماسية. ونعم، صحيح انّه تمّ تكيّيف اللغة بحيث تناسب منطق التوافقات، ومُتطلّبات المنبر الدبلوماسي الذي ستتلى فيه، إلاّ أنّ ذلك لم يؤدِ بأيّ شكلٍ من الاشكال الى المساس بأيّ حقٍّ من الحقوق، وخصوصاً لجهة استخدام مصطلحات دقيقة ولا لبس فيها مثل:

الهندسة الديموغرافية: هي صيغة مُتشدّدة في ما يخص التهجير القسري، وتشير إلى أنّ التهجير القسري الذي يحصل في سوريا ليس ناتجاً عن الاعمال الحربية او بسبب هروب المدنيين من تنظيم “داعش”، او لظروف اقتصاديّة كما يدّعي النظام، وإنّما هو عملية منهجيّة مُخطّط لها بشكل مُسبق تهدف الى اجراء تغيّير ديموغرافي في سوريا ليست فقط على خلفيات اثنية أو طائفية أو عرقية بل على خلفيات سياسية ايضا، وبهذه الحالة يرفع مصطلح الهندسة الديمغرافية عمليات التهجير القسري التي تتّم من كونها جريمة حرب ليصبح جريمة ضدّ الانسانيّة وهي أشد وأخطر. من النافل ذكره انه حسب تقارير لجنة التحقيق الدولية، نظام الأسد هو من يقوم بمعظم هذه الجرائم.

اعادة النظر في العقوبات: هي عملية فنيّة تتم بشكل دوري من قبل وكالات مُختصّة في الاتحاد الآوروبي لزيادة او تخفيف بعض بنود هذه العقوبات، ولم تطالب الرسالة بأيّ شكلٍ من الأشكال برفع العقوبات، وإنّما طالبت أن يتم تخصيص عملية اعادة النظر بالاثر الإنساني لهذه العقوبات وتفعيل الاستثناء الإنساني الوارد في نص كل برامج العقوبات على أن تتم فقط في القضايا التي تمس قطاعات الصحة والتعليم وسبل العيش . وقد كان موقفنا واضح ضد رفع العقوبات عن النظام وضد أي شكل من التطبيع أو إعادة العلاقات الديبلوماسية إلا بعد الانتقال السياسي.

تفعيل عمل القنصليات: أمر منفصل تماماً عن قضيّة السفارات والعلاقات الديبلوماسيّة، ولم تطالب الرسالة بأيّ شكلٍ من الأشكال بإعادة العلاقات الدبلوماسيّة مع النظام، وإنّما أكّدت على حق السوريين اللاجئين بالحصول على كامل احتياجاتهم من الاوراق والوثائق الرسميّة بشكل محترم، دون معاقبتهم على مواقفهم السياسية من خلال عدم قيام القنصليات باجراء الكثير من المعاملات التي يحتاجها المواطنين السوريين، وتحويل القنصليات الى ماكينة تحصيل اموال لخدمة النظام من خلال قصر جلّ عملها على اصدار جوازات السفر و بمبالغ خرافيّة.

العدالة الانتقاليّة: مطلب حق لا مساومة او مواربة فيه. ومن دونه لن يكون هناك ايّ امكانيّة لقيام سلام حقيقي ومُستدام في سوريا. وأحد اهم اركان هذه العدالة هي المُساءلة والمُحاسبة على الجرائم المُرتكبة، ولا تستوي من دونهما. وهنا لا نجد أيّ مضاضة في ان تكون هذه العدالة الانتقاليّة ضمن مسار وطني يُحقق العدل دون انتقام، وعلى اسس قانونيّة اخلاقيّة غير مُسيّسة.

أسلحة الدمار الشامل: تشمل الأسلحة الكيماوية، البيولوجية والنووية. لا يمتلك ترسانة أسلحة كيماوية في سوريا الا نظام الأسد وحسب تقارير لجنة التحقيق المشتركة للأمم المتحدة ووكالة حظر الأسلحة الكيماوية تم تأكيد استخدام السلاح الكيماوي 5 مرات في سوريا. ثلاث مرات من قبل نظام الأسد ومرتين من قبل داعش.

حل سياسي وفقاً لمسار جنيف والقرار 2254: قراءتنا للقرار 2254 المبني على اتفاق جنيف 1 تؤكد على ضرورة انتقال سياسي يفكك نظام الاستبداد وينقل البلاد الى نظام ديموقراطي تعددي وتشميلي.

هذه الدعوة ليست جزءاً من آليّة عمل (غرف المجتمع المدني) التي يقودها مكتب المبعوث الدولي، ولكن هذا لا ينفي بأيّ شكلٍ من الاشكال وجود تنسيق وتعاون بين مكتب المبعوث والاتحاد الآوروبي صاحب الدعوة والوكالة الألمانية للتنمية GIZ التي قامت بتغطية تكاليف حضور المشاركين والاجراءات اللوجستية المرتبطة بهذا الحضور. مّما يؤكد ضرورة طرح مشاكل (غرف المجتمع المدني) وطريقة ادارة مكتب المبعوث الدولي لها، وضرورة أن يكون هناك آليّات واضحة وشفافة للدعوات، ولجدول الاعمال، وللمُخرجات، وقوننة الدور الوظيفي للمجتمع المدني فيها. ونُدرك تماماً ضرورة طرح بدائل عمليّة في هذا الخصوص وهو أمر نعمل عليه مع العديد من المنظمات السورية المدنيّة منذ وقت طويل.

نؤكد التزامنا التام بمبادئ الشرعة الدولية لحقوق الانسان والقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الانسان الدولي ورفضنا التام تسييس هذه المبادئ والتفاوض عليها فمهمتنا الرئيسية هي صون الحقوق لجميع السوريين وتحصيلها والدفاع عنها وليس التفاوض عليها.

نُؤكّد مجدداً على استعدادنا لتحمّل مسؤوليّاتنا الاخلاقيّة والوطنيّة كاملةً تجاه ما قُمنا به، انطلاقاً من ادراكنا الواعي لأهميّة الدور الذي على المؤسسات المدنيّة السورية القيام به في بناء مستقبل سوريا لكل السوريين. مستقبل نعمل معاً على أن يكون قائماً على أهداف ثورتنا في الكرامة والعدالة والحرية والمواطنة”.

من جهة أخرى، أصدرت مجموعةٌ من منظمات المجتمع المدني السوريّة، الجمعة 27 نيسان/أبريل، بياناً قالت فيه إن الرسالة لا تمثلها، وإنها تأتي نتيجة “استمرار اتباع نهج غير متوازن في التعامل مع دور المجتمع المدني في مباحثات السلام السورية ومستقبل سوريا”.

وجاء في البيان: “صدرت بتاريخ 25 نيسان أبريل ورقة معنونة باسم (رسالة المجتمع المدني السوري في بروكسل – نيسان 2018). وتم تقديمها في نفس اليوم في الجلسة الختامية لمؤتمر بروكسل على أنها الصيغة التي تم التوافق عليها باسم المجتمع المدني السوري.

يهم المنظمات الموقعة على هذه الرسالة بيان أن هذه الورقة (1) لا تمثل أيا من وجهات نظرنا حول الموضوعات التي تم تناولها فيها. (2) لم تعرض على أي منا ولم يشارك أحد منا في صياغتها أو الموافقة أو التوقيع عليها. (3) لا تنتمي إلى لغتنا التي نستخدمها ولا تمثل مقاربتنا للقضايا الحقوقية والاجتماعية ومحددات الحل السياسي في بلادنا.

إننا نعتقد أن الدور المهم الذي يتصدى له المجتمع المدني السوري على كل المستويات الحقوقية والإنسانية والثقافية والتعليمية والطبية والرعاية الصحية وغيرها، ساهم بشكل كبير في إنقاذ مصائر ملايين السوريين وتخفيف معاناتهم وإيصال صوتهم وحفظ حقوق ضحاياهم والمطالبة بالعدالة لهم. كان ذلك في أصعب الظروف وأكثر خطورة وأشدها تعقيداً داخل صراع ضخم يحطم كل المقدرات والإمكانيات من حوله. ويهمنا أن نوضح هنا أن مبادئ المجتمع المدني الأساسية المرتكزة على مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان هي ليست مادة للتفاوض وإيجاد التوافقات بين طرفين أو أكثر. وأننا نرى دور المجتمع المدني هو في الحرص على عدم المس بهذه المبادئ وليس بالتفاوض حولها لإيجاد صيغ جديدة مشوهة لها.

إننا نؤكد على إيماننا بالحل السياسي وفق مسار جنيف المحدد بقرار مجلس الأمن 2254/2015 والقرارات ذات الصلة، بما يضمن المحاسبة على كافة الجرائم المرتكبة ضد الشعب السوري. كما نؤكد على أهمية الاستمرار بدعم البرامج الإنسانية والتنموية في سوريا ودول الجوار المستضيفة للاجئين السوريين، وعلى ضرورة توضيح مفهومي إعادة الإعمار والتعافي المبكر بحيث لا يسمح بوضع هذه البرامج تحت تصرف الحكومة السورية المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا بغية توظيفها سياسياً أو إتاحة استخدامها كسلاح حرب آخر ضد الشعب السوري.

إننا نرى بأن ما حصل بخصوص إصدار هذه الورقة في مؤتمر بروكسل 2 كان نتيجة استمرار اتباع نهج غير متوازن في التعامل مع دور المجتمع المدني في مباحثات السلام السورية ومستقبل سوريا. هذا النهج الذي بدأ وما زال مستمراً حتى الآن في مباحثات جنيف. والذي نعيد اليوم الإشارة إليه مجدداً وتوضيح محدداته في:

1- أن لا آلية واضحة تحدد عمليات التشاور المسبقة مع المنظمات المعنية بالموضوعات التي يتم طرحها وتناولها.

2- اختيار موضوعات الاجتماعات وجدول الأعمال بطريقة غير ممنهجة وغير مدروسة بما يوحي بأن عقد الاجتماع هو هدف بحد ذاته وليس بمضمونه ومحتواه.

3- افتقاد هذه الاجتماعات للبناء على اجتماعات سابقة حول الموضوعات نفسها التي يتم تناولها. بحيث يتم البدء في كل مرة من نقطة الصفر.

4- افتقاد هذه الاجتماعات للشفافية المطلوبة التي تعرض للسوريين ما تم بحثه، وما تم التوصل له، أو طرحه وصياغته، أو من قام بذلك من المنظمات والأفراد.

5- خضوع نظام الدعوات والمشاركة في الاجتماعات في جميع الأحيان لمعايير غامضة وخيارات شخصية يفضلها أعضاء فريق المبعوث الخاص السيد ستيفان ديمستورا دون أي تشاور أو تنسيق مع المؤسسات والمنظمات المعنية”.

ووقع على البيان كل من “المعهد السوري للعدالة” و”الرابطة السورية لحقوق الإنسان والمحاسبة”، و”‏منظمة حلم الياسمين” و”منظمة حقوق الأنسان في سوريا- ماف” و”اللوبي النسوي السوري” و”مجموعة سنبلة للتعليم والتنمية” و”رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” و”جذور للتنمية” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”تجمع المحامين السوريين” و”مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان” و”شبكة عدالة لنساء سوريا” و”المركز السوري للدراسات وحقوق الإنسان” و”هيئة سوريا الفتاة” و”المركز السوري للعدالة والمساءلة” و”المركز السوري للإحصاء والبحوث” و”جيل البناء” و”مجلس القضاء السوري” و”مؤسسة (إنسان أو لا)” و”مبادرة تعافي” و”دولتي” و”مركز توثيق الانتهاكات VDC” و”مؤسسة اليوم التالي” و”حماة حقوق الانسان” و”منظمة بردى” و”رابطة المستقلين الكرد السوريين” و”تجمع ثوار سوريا” و”منظمة حرية للأعمال الإنسانية” و”رابطة الصحافيين السوريين” و”منظمة كش ملك”

… https://www.almodon.com/arabwo