الاخفاء القسري جريمة مستمرة

لألم الممتد، عنوان تقرير أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تناولت فيه موضوع الاختفاء القسري في سورية، حيث وثّقت نحو 75 ألف مختفٍ قسريًا، بطرقٍ مختلفة في أنحاء سورية كافة، وذلك منذ آذار/ مارس 2011.

عدّ التقرير أن النظام السوري هو من أسوأ الأنظمة التي مارست عملية الإخفاء القسري في العصر الحديث، حيث ذكّر بتاريخ النظام في ذلك، منذ أحداث الثمانينيات في عهد الأسد الأب، موضحًا أن آثار الإخفاء القسري وعذاباته “مازالت ممتدة ومتجذّرة منذ ذلك الوقت، وقد قاربت حصيلة المختفين قسريًا وقتها 17 ألف مختفٍ، معظمهم من أهالي مدينة حماة”.

كما أشار إلى المادة السابعة من ميثاق روما، والتي عرّفت الاعتقال التعسّفي بأنه “إلقاء القبض على أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو بدعمٍ منها لهذا الفعل، أو بسكوتها عنه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريّتهم، أو إعطاء معلومات عن مصيرهم، أو عن أماكن وجودهم؛ بهدف حرمانهم من حماية القانون لمدة طويلة”، وأوضح أن الإخفاء القسري في تعريفه القانوني يكون في حال “الجهة المرتكبة له هي الحكومة أو تتبع الحكومة”، وبحسب التقرير، فإن الميليشيات الموجودة على الأرض السورية، تقوم أيضًا بتلك الأعمال، وهي “المحليّة أو الشيعيّة الأجنبيّة” التابعة للنظام السوري.

ومن جانب آخر، وجّه التقرير اتهامات إلى بعض الميليشيات المسلّحة التي مارست هذا النوع من الإخفاء، وقال: إنها بمنزلة سلطة أمر واقع في مناطق سيطرتها، كـ”تنظيم الدولة” (داعش)، و”جبهة فتح الشام” (النصرة سابقًا)، و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، التابعة لـ “لإدارة الذاتية” المرتبطة بحزب “الاتحاد الديموقراطي” الكردي، وأيضًا إلى بعض الفصائل العاملة في مناطق سيطرة المعارضة المسلّحة، وأشار التقرير إلى أن هؤلاء -جميعًا- قد مارسوا “عمليات اعتقال متفاوتة، ارتقى بعضها إلى مرتبة الإخفاء القسري، ومازال النظام السوري متفوقًا على بقية الأطراف بنسبة تصل إلى 96 بالمئة من مجمل المختفين قسريًا”.

تشير كذلك الشبكة إلى أن ما ورد في تقريرها هو الحد الأدنى من الانتهاكات الموثّقة، بسبب الصعوبة التي تعترض عمليّة التوثيق، وأنها لم تكتب عما تخلّفه هذه الجريمة من تداعيات نفسيّة ومعنويّة متشعّبة، حيث آثارها تمتد إلى المجتمع عبر أثر لا ينتهي، بل يزيد مع الزمن؛ إذ يقول التقرير: “إن العذاب مستمر ويومي لأهالي الضحايا الذين لا يتمكّنون، ولو ليوم من الأيام، من فقدان الأمل أو نسيان ذويهم، وهذا يُبقي المجتمع في حالة من التفكك والإرهاب والخوف، والعبرة المستمرة لمن لم تصبه حالة الإخفاء القسري”. فمنذ أن انطلقت التظاهرات ضد النظام السوري، اعتمد النظام الأساليب كافة التي من الممكن أن تُرهب المجتمع، وعدّت المنظمة في تقريرها أن النظام استعمل الإخفاء القسري سلاحًا بيده؛ لبث الخوف بين الناس، ولفت إلى أن عمليات الاعتقال التي تنتهي إلى إخفاء قسري، لم تقتصر على السياسيين المعارضين بل كانت عشوائية تطال أفراد المجتمع كافة، من كبار السن إلى الأطفال، بما وصفته أنه “عملية نزيف وتحطيم لركائز المجتمع السوري”، ويضيف التقرير أن المعاناة تزداد عند “الزوجات والأمهات والأطفال الذين يتحملون العبء الأكبر من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تقوم الحكومة السورية بتجريد المختفي قسريًا من وظيفته، وتوقف راتبه وجميع مستحقاته، وتمنع عائلته من حق التصرف في ممتلكاته كالميراث والمسكن وتجمِّد أموالهُ”.

سجّل تقرير الشبكة 74607 حالة اختفاء قسري، منذ آذار/ مارس 2011؛ حتى آب/ أغسطس 2016، موزّعين على الشكل التالي: القوات الحكومية 71533، بينهم 4109 طفلًا، و2377 سيّدة، ولدى تنظيم الدولة (داعش) 1479 مختفٍ قسريًا، بينهم 118 طفلًا، و87 سيدة، لدى جبهة فتح الشام (تنظيم جبهة النصرة سابقا) 892 مختفٍ قسريًا، بينهم 41 طفلًا، و3 سيدات، وقوات الإدارة الذاتية (بشكل رئيس قوات حزب الاتحاد الديمقراطي – فرع حزب العمال الكردستاني) 397 مختفٍ قسريًا، بينهم 61 طفلًا، و11 سيدة، أمّا لدى فصائل المعارضة المسلحة 306 مختفٍ قسريًا، بينهم 29 طفلًا، و14 سيدة.

وبحسب المحافظات، فقد توزعت أرقام المختفين قسريًا في التقرير على النحو التالي: ريف دمشق 18796، دمشق 7107، حلب 5218، دير الزور 3416، حمص 5851، حماة 6904، الرقة 1874، إدلب 3312، الحسكة 1927، درعا 11104، السويداء 1489، اللاذقية 2678، طرطوس 1255، القنيطرة 602.

وأورد التقرير عن فضل عبد الغني، مدير الشبكة، قوله: إن الشبكة تقوم أسبوعيًا بعمليات مراسلة للمقر الخاص المعني بحالات الاختفاء القسري في العالم، التابع للأمم المتحدة، وإنها تُصدر في كلّ عام، بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا الاختفاء القسري، تقريرًا تُذكِّر بهذه الجريمة المستمرّة بحق المجتمع السوري، وتطالب بالكشف عن مصير المعتقلين والمختفين قسريًا.

كما يُضيف عبد الغني، قائلًا: “في سورية من السهولة أن يتحول المعتقل إلى مختفٍ قسريًا، لأن عمليات الاعتقال جميعها لا تتم بمذكرة قضائية، بل هي أشبه بعمليات خطف، أو اعتقال لدى المرور عبر الحواجز، دون معرفة الجهة التي قامت بالاعتقال، ودون معرفة سبب الاعتقال، كما تُنكر وترفض السلطات -بشكل مطلق- الاعتراف بأنها من قامت باعتقال الأشخاص أو تعذيبهم، أو إبلاغ أحد بمكان وجودهم، ويخشى الأهالي السؤال عنهم، ويدخل الضحايا في ثقب أسود، يزداد توسعًا مع الزمن”.

… https://geroun.net/archives/63